الشيخ محمد آصف المحسني
80
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
أقول : بناء على اختيار الشق الثاني المتقدّم ، يجب القول بافتقار الممكن بعد الحدوث الأول أيضا ؛ إذ في كلّ آن حدوث وحدوث ، فاستغناء الممكن لا يكون مترتّبا على القول بتأثير الحدوث في الحاجة مطلقا بل مختصّ بما إذا تعين الشق الأول ؛ ولذا لم يلتزم به كلّ من قال بعلّية الحدوث بل بعضهم . وأمّا ما مثّلوا من البناء الباقي بعد البناء ففيه : أنّ البناء علّة محدثة فقط وليس بمبقية أيضا ، بل العلّة المبقية هي جاذبية الأرض أو غيرها ، كالفدى الكائنة في مواد البناء . واللّه من ورائها محيط . هداية إمكان الماهية يغاير إمكان الوجود ، فإنّ الأول بمعنى عدم التماس الوجود أو العدم كما مر ، والثاني بمعنى الفقر ؛ ضرورة بطلان عدم اقتضاء الوجود نفسه ونقيضه ، بل الوجود وجود بالضرورة وليس بعدم بالضرورة ؛ لأنّ ثبوت الشيء لنفسه ضروري وسلبه عن نفسه ممتنع . فتفسير الإمكان الوجودي بما فسّر به الإمكان الماهوي غير معقول . نعم ضرورة الوجود ضرورة ذاتية لا أزلية ، فهو ما دام موجودا ضروري ، فيفتقر إلى موجده حدوثا وبقاء كالماهية . ومنه ينقدح بطلان أولويته ؛ إذ هو قبل إيجاده لا شيء محض ، وبعده ضروري الثبوت كما عرفت ، فينتزع الماهية عند قهرا ، فلا معنى لأولوية الوجود بالماهية . وحيث إنّ الماهية في رتبة متأخّرة عن الوجود - لمكان انتزاعها منه - لم يكن أولويتها به قبله بمعقول ، كما أنها بناء على أصالتها لا تكون أولى بالوجود الاعتباري المنتزع عنها بعد تعلق الجعل بها ؛ إذ لا يتصوّر أولويّتها به قبل الجعل . ومنه يبان عدم أولوية الوجود بها أيضا ، فإنه - على أصالتها - أمر اعتباري متأخّر عن تحقّق الماهية ، فلا معنى لأولويّته بها قبل تبرزها . نكتة بقي شيء هو أن علّة الممكنات المحدثة هل هي بعينها العلّة المبقية أم لا ؟ صريح السبزواري هو الثاني حيث قال : اعلم أن من المعلولات ما يكون علّة حدوثه غير علّة بقائه كالبناء ، فإنّ علّة حدوثه البناء وعلّة بقائه يبسى العنصر . ومنها ما يكون علّة حدوثه هي علّة بقائه ، كالقالب المشكل للماء . والعالم بالنسبة إلى الواجب تعالى من قبيل الثاني ، لكونه واجب الوجود بالذات ، وواجب الوجود من جميع الجهات . . الخ « 1 » . أقول : علّة العالم الإمكاني هي إرادة اللّه تعالى ، وسيأتي في صفاته الثبوتية أنّها بمعنى
--> ( 1 ) الأسفار ( الحاشية ) 1 / 220 .